الجمعة، 18 يوليو 2014

ناقة الله و سقياها !


 
 
« فقال لهم رسول الله ناقة الله و سقياها ، فكذبوه قعقروها ... »


عندما نستقرئ سنن الله في الأرض التي لا تتغير ولا تتبدل ( سنة الله التي قد خلت من قبل  ولن تجد لسنة الله تبديلا ) فنتدبر فيها نجد ان الأمر تماماً كما تشير إليه الآية الكريمة ، سنن عبارة عن خطوط عريضة لا تتغير و لا تتبدل بتقادم الزمن الا ببعض حيثياتها البسيطة !
                         

فهذه آية صالح ع ناقة الله عقروها من استكبروا من قومه فبعثوا لها أشقاها !
 

وهذا علي آية الله العظمى وآية نبيه
 

فكما قال صالح ع لقومه ( ناقة الله و سقياها )
 

قال الرسول لقومه  إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهم )
 

وقال : ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ....) !
 

فكانت فتنة قوم رسول الله محمد ص بعلي و القرآن ع كفتنة ثمود بالناقة وسقياها (انا مرسلو الناقة فتنة لهم  ) 

 

فردد صالح ع مذكراً قومه بالاحسان لتلك الآية وردد رسول الله موصياً بالمودة في القربى (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى ) والمودة في القربى مؤولة بالولاية لهم حيث قال الله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ) أسمى التولي بالقاء المودة ، فحرم الله تولي اعداءه و أمر بتولي أولياءه فنلقي إليهم بالمودة اي الولاء و الطاعة .

 

و كأن تنزيل آية صالح ع  في القرآن تحكي عن تأويل يضج له فؤاد الموالي لأهل البيت ع ! ، نعم جرت تلك الآية بسننها على الأمة الإسلامية فكانت ناقة الله أو آية الله  تؤول بالإمام علي ع (ويا قوم هذه ناقة الله لكم اية )  كما يصف نفسه روحي فداه : ( ما لله آية أكبر مني ) فعلي آية الله بل أعظم آيات الله لأعظم نبي محمد ص ، و أما سقياها ( زادها ) مؤولة بالقرآن الكريم فهو زاد الأئمة الطاهرين كما يقول أمير المؤمنين ( كتاب الله تبصرون به و تنطقون به و تسمعون به ) فالإمام علي ع لا يتجاوز القرآن ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ) ، إلا أن انقلاب السقيفة سعى جاهداً لمحاربة آية الله ككبراء قوم صالح  فلتحك لنا تلك الآية قصة سقيفتهم ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم اتعلمون ان صالحا مرسل من ربه قالوا انا بما ارسل به مؤمنون ، قال الذين استكبروا انا بالذي امنتم به كافرون ، فعقروا الناقة وعتوا عن امر ربهم .. ) هي الخطوات ذاتها تمثلت في عقر آية الله ورسوله ، لذلك سمعنا تلك الصرخة النشاز التي تعرب عن مقاصد المنافقين ( تلقفوها يا بني أمية تلقف الكرة فوالله ما من جنة ولا نار ) ! هي ذات الكلمة التي نطق فيها قوم صالح ع ! مع اختلاف الصياغة، فقام المنافقين بمحاربة القرآن الصامت و الناطق جنباً إلى جنب فكانا طريدان شريدان جيل بعد جيل ، فتجلا لنا كفر المنافقين برسول الله ص بمخالفة وصيته و لو كانوا معتقدين بحقيقته و حقيقة كلامه لما عصوه.

 

فصالح ع  يقول موصياً : ( ناقة الله و سقياها ) ، فعقورها !

ورسول الله ص يقول موصياً : ( القرآن و أهل بيتي) ، فتركوهما و حاربوهما !

 

بل و بعد أن تولى الإمام علي ع زمام الأمور لم تتركه قوى الشيطان التي خاضت معه الحروب حتى انتهى المطاف بأن ينبعث أشقاها ( ابن ملجم ) لعنه الله ليطبر رأس الإمام علي ع في محراب صلاته فيقتله فكان عاقر ناقة صالح أشقى الأولين و قاتل أمير المؤمنين أشقى الآخرين


قال النبي (صلى الله عليه وآله): " يا علي، أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين قاتلك "
 

( فدمدم عليهم ربهم بذنبهم )

 

و أخذت الأمة الإسلامية تتجرع بعد ذلك تبعات شقاوة القوم لنبذهم وصية رسول الله و محاربة كتاب الله و أوصياءه فكانت تلك الأمة بانحدار يتلوه انحدار وخيبة تلو خيبة حتى توارى حجة الله الإمام المهدي عجل الله فرجه عن الأنظار منتظراً الفرج بأن تستعيد هذه الأمة رشدها و لو بعدة كعدة أهل بدر (313) فيكونوا قادة يظهر الله دينه بهم و بجيشهم على الدين كله و لو كره الكافرون المنافقون !

 

فأي خيبة تلك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه و من القرآن إلا رسمه و أن نكون سبباً في غيبة ولينا و تظاهر الزمان علينا ! فحال الرسول ص الذي يرى أعمالنا ومآلنا بحسرة ( فسيرى الله عملكم ورسوله و المؤمنون ) هو هذه الآية الشريفة (وقال الرسول يا رب ان قومي اتخذوا هذا القران مهجورا ) فرسول الله حتماً يشكو إلى الله من قوم ضيعوا رسالته .

 

أما آن للأمة أن تصحو من غفلتها و تعود لكتابها لعل الله يرفع مقته و غضبه عنا ؟

أما آن أن نريح قلب رسول ما أوذي نبي كما أوذي هو روحي فداه مما لقاه و يلقاه من أمته ؟

إلى متى سنتوارث عقر ناقة الله و نحمل راية ثمود تاركين كتابنا و حجة الله الذي ينتظرنا ؟

 

إلى متى .. و إلى متى .. و إلى متى ..

 

أعان الله قلبك يا صاحب الزمان !

الجمعة، 20 يونيو 2014

الدين الإسلامي ثورة العقول - الحلقة الثانية


 
لقد استطاع الدين الإسلامي استنهاض العقول من سفه الجاهلية إلى نور الله الذي تبصره به و تحيا به القلوب ، فاستطاع انتاج نماذج يحتذى بها برجاحة العقل وسلامة المنطق كسلمان المحمدي الذي ارتقى لأن يكون من أهل البيت ع فقيل فيه ( سلمان منا أهل البيت ) و عمار والمقداد بل لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فكان للشباب من هذه الثورة حظ عظيم فهذا الشاب أسامة ابن زيد الذي يقارب عمره عمر طالب بالمرحلة الثانوية يتولى قيادة جيش المسلمين الذي قال فيه النبي ص ( لعن الله من تخلف عن جيش آسامة ) .

 

هذه الثورة العقلية لم ترق لمن أشرب حب الجاهلية و التقسيم الطبقي المنقسم الى كبراء و إمعات حتى بعد إسلامهم شكلا ، فبقاء الناس جهال إمعات هو في صالحهم حيث انه يخدم باطلهم و هذا ما يثيره باطن هذه الرواية عن أمير المؤمنين «  فقال له الحارث: لو كشفت - فداك أبي وأمي - الرين عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا.

قال عليه السلام: قدك فإنك امرؤ ملبوس عليك إن دين الله لا يعرف بالرجال، بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله » ، اذا فالنتيجة الحتمية لمعرفة الباطل هي معرفة أهل الباطل و هذا ما لا يعجب التيار التجهيلي الذي يريد أن يتسيد الأمة بسلب عقولها فأجرمت في حق الأمة حين نحوا خلفاء الله عن مراتبهم التي رتبهم الله عليها و حاربوا إلى جنبهم الكتاب الذي يمثل ثورة العقول بوضع فجوة بينه و بين الناس من خلال النهي عن تأويله و مطاردة القراء و محاصرتهم و حرق المصاحف و غيرها من الأحداث التي يضج بها التاريخ و تدمع لها عين الواقع الأليم الذي آل إليه المجتمع الإسلامي في الوقت الحاضر ، فهل كانت هذه نهاية المطاف ؟

 

بالطبع لا فهنالك حلقة مهمة يجب أن تضاف ليكتمل السيناريو التجهيلي ، فبعد منع كتابة أحاديث النبي ص لفترة قامو بعدها بدس الأحاديث الموضوعة كذباً على الله ورسوله لتخدم مصالحهم ! نذكر مثالاً بسيطا فالمقام لا يتسع لعظم المقال فبعد أن كان من أعظم صور الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر ، أصبح القيام على ما يسمونه ولي الأمر (السلطان) باطلاً محرماً و لو كان عاصياً جائراً فعاشت الأمة الإسلامية لقرون مسلوبة الإرادة خائفة تخشى مخالفة أي ظلم فتقتل ، كما أنها تعاني من أزمة فهم النص الذي يحرر عقولهم التي أصبحت أسيرة الرواية بعيدة عن الدراية سفيهة لا وعي لها إلا من رحم ربي  حتى أصبح الحسين ع بنظرهم خارجياً يستحق القتل !

 

فكانت هذه نتيجة حتمية لضياع المنهجية التي ما زلنا نعاني من آثارها حتى يومنا الحالي .

 

 

نلتقي بكم إن شاء الله في الحلقة القادمة

الدين الإسلامي ثورة العقول - الحلقة الأولى


 
 
 
جاء الدين الإسلامي بثورة علمية عقلية كانت في مقابل تيار جاهلي تجهيلي يقسم المجتمع إلى طبقتين

 

طبقة السادات و الكبراء

 

و طبقة الجهال التابعين

 

و يتجلى هذا التقسيم في الآية الكريمة ( وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا )

 

 ثم ما هي النتيجة يوم القيامة لهؤلاء ؟!

 

المحصلة النهائية لهذا الأمر هو ما تصفه الآية الكريمة ( اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب )

 

هذا التيار التجهيلي الذي وجد آباءه على ملة فاقتفى أثرهم و سار على نهجهم بحدوده الضيقة حورب بشدة في القرآن الكريم ( ..قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه اباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) والكثير من الآيات التي تشترك مع هذه الآية المباركة بالموضوع ذاته تتجلى لنا بها حقيقة موقف القرآن الكريم من هذا الفكر المتحجر مباركاً لمن ثار على هذا النهج محارباً من سار عليه هاتفاً في الناس ( أفلا تتفكرون ) ( أفلا تعقلون ) ( أفلا يتدبرون ) ...

 

مثوراً بذلك عقولهم دافعاً لطلب العلم و التعلم حتى قسم أمير المؤمنين الناس إلى ثلاثة أقسام : إما عالم رباني أو متعلم على سبيل النجاة و همج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح ! وقال بعدها : أغد عالما أو متعلما ولا تكن الثالث فتعطب !

 

أراد الإسلام أن يقسم المجتمع إلى قسمين ( علماء و متعلمين ) فكان لا يرتضي لهم الثالثة أبداً فقد كرمهم الله بالعقل و هم عنه يسئلون !

 

فكان السلم المجتمعي بين العالم و المتعلم يتمثل بالآية ( فوق كل ذي علم عليم ) فأمر الذين لا يعلمون مسألة ما قد توقفوا عندها و عجزوا عن إحكامها بالرد الى من هو أعلم بها منهم و الأعلم يرجع إلى الأعلم و هكذا ! كما تنص روايات مستفيضة على الوقوف عند الشبهات و الرجوع الى أهل العلم أو من هم أعلم منهم،  فجاء بيان النفير القرآني صريحاً في قوله تعالى ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ) و الإنذار و الاستجابة له من خلال الحذر متلازم مع العلم كما ينص كتاب الله جل وعلا ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه )

وقوله ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) !

 

نلتقي معكم إن شاء الله في الحلقة الثانية من سلسلة : الدين الإسلامي ثورة للعقول

 

فتابعونا 🌹

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

أزمة مجتمع..!


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أئمة التأويل

محمد و آله الطاهرين
 

           احتوى التاريخ الإسلامي في حياة الرسول الكريم و حياة الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين على نماذج في غاية الغرابة إذا ما قيست على واقعنا ، مما يجعلنا نقف وقفة المذهول المستغرب، لنستعرض نموذج بسيط من تلك النماذج ، لعلي أستطيع إيصال المعلومة بشكل أكثر سلاسة ،شاب في مقتبل العمر كأسامة بن زيد يستلم قيادة جيش كامل في معركة مهمة بأمر من رسول الله صلوات الله عليه ! ، وهو في سن المرحلة الثانوية أو الجامعية في أحسن الأحوال إذا ما قسناه على مجتمعنا ! ، مما يعكس أنه كان للشاب في هذا السن قدرات عقلية تمهده لأن يكون قائداً لمن هم في عمر ( جده ) ، لكن إذا تابعنا تصرفات و تفكير هذه الفئة العمرية في مجتمعنا نجد أن السفه والتهور أو ما يطلق عليه (المراهقة) تغلب على شريحة كبيرة منهم !

          فما سبب تراجع هذه القدرات مع القفزة المعلوماتية الكبيرة التي يشهدها العالم وتوافر وسائل التعلم بشكل مبسط أكثر مما كانت عليه في ذلك الزمان؟

          أعتقد أن لهذا الأمر عدة مسببات منها:

          ١) ما تربى عليه في مجتمعه ، فهو يرى أن المكلف بحمل المسئولية هو من أنهى المرحلة الجامعية و ما دون ذلك فـ( بعده صغير وما كون نفسه).

          2) اعتاد الشاب في هذا المجتمع على أن يكون اتكالياً ، يتوفر له كل ما "يُراد" منه أن يتعلمه ، اعتاد على التعلم من خلال التلقين لا التفكير السليم والبحث عن ما يشبع قناعاته، بل يتلقن معارف قومه و يصقل قناعاته ضمن قالب المجتمع الذي تربى فيه غصباً .

          3) ينشأ الشاب على مقولة ( أكبر منك بيوم أفهم منك بسنة ) وهذه المقولة تترجم واقعاً حين نلاحظ على بعض الآباء أو كبار السن امتعاضهم  إذا ما أبدا شاب رأيه أو خالفهم بلسان حال يقول ( بعد ما شاب راسي بيعلمني هالياهل ).

          فينشأ هذا الشاب ، منعدم الثقة بالنفس غير قادر على إدارة مسؤولياته ، لا يستطيع إعمال عقله في أتفه الأمور و يكتفي على التعلم من خلال التلقين عاجزاً عن انتزاع أبسط المعلومات من الكتب و غيرها من وسائل نقل المعلومة، تافه يتبع شهواته و ملذاته ، فبينما كان من بعمره قائداً لجيش بأكمله ، نجد هذا الشاب مجاهداً في ساحة الرذائل باحثاً عن من يسد شهوته في المجمعات التجارية ، متكلماً مفوها في مجالس البطالين ، تقوده عقده التي زُرعت في نفسه نتيجة لهذه التنشئة القاصرة السائدة في مجتمعنا لأن يكون ( ظغيطاً ) يسخر من كل شخص و يتفكه على كل موقف محاولاً بذلك إشباع عقدة الحقارة التي تربى عليها في مجتمعه و غُرست فيه لتبدأ بتحريك شخصيته فإذا عرفنا أن التكبر ( خطيئة إبليس ) هي قوله ( أنا خير منه )[1] نجد أن كل تصرف يصدر من هذا الشخص هو نتاج لهذا الإعتقاد ( أنا خير منه ) و لو بحثنا عن مصدر هذا الإعتقاد بتفضيل النفس على الغير و التي تتجسد " بالسخرية " فهي نابعة من نفس ذليلة فقد ورد عن الصادق (ع) : « ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه »[2] .

           يكبر هذا الشاب المترف الإتكالي و المحتقر لذاته في نفس الوقت والذي هو صناعة لهذه التنشئة الفاشلة و يصبح بطبيعة الحال كآباءه (وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها انا وجدنا اباءنا على امة وانا على اثارهم مقتدون)[3] متكبر لا يقبل مِن مَن هم في مقتبل العمل أي رأي مسفهاً له فكثيراً ما نستمع لمثل هذه الألفاظ ( قريتلك كلمتين صرت أبو العريف وبتعلمني ؟ ) ( ألحين انت ولد أمس - كناية عن صغر السن - بتعلمني ؟ ) وهكذا من الألفاظ التي نشأ و ترعرع عليها ليتحول من ضحية مجتمع إلى مجرم إرهابي فكرياً متقمصاً دور آباءه ليفرغ ما تمليه نفسه المريضة باحتقار الذات على أبناءه فيتناقل هذا الأسلوب جيلاً بعد جيل ويزداد سوءً في كل جيل إلا من رحم ربي.


          يصبح الشباب بذلك في هذا المجتمع عبارة عن قنبلة موقوتة سريعة الإنفجار ، فهؤلاء الهمج الرعاع الذين ينعقون وراء كل ناعق مستعدون لخوض غمار كل فتنة ليكون لهم دور البطولة في صناعة أحداثها وهذا ما يتعارض بطبيعة الحال مع الحكمة التي كان ينادي بها أمير المؤمنين « كن في الفتنة كإبن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب »[4] فلا يتسلق الإنتهازيين على كتفيه بجهله وانصياعه لهم بعد أن اعتاد على التلقين ، ولا يكون ضرعاً للمنافقين فيحلب ويترك بعد انقضاء الحاجة منه وانتفاء المنفعة ، هذا المنهج الوسطي الذي اختاره الإمام علي ع لنفسه كما أراد الله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا... )[5] لا يصدر إلى عن من نشأ و تعلم و زكى نفسه و هو بعيد كل البعد عن من اعتاد على التلقين ، فأنى له أن يتحرى الحكمة و قد شب وشاب على تلقي المعلومات المعلبة الجاهزة والتي غالباً ما تكون ملوثة.


          إذا ما لمسنا هذا الخلل وتتبعنا مصدر المشكلة نجد أن هذه المشاكل لها حلول في كتاب الله بل و كانت هذه  الحلول منهج الأنبياء في إصلاح مجتمعاتهم الهمجية التي تخلو من الحكمة ، فكان دور النبي يتمثل في قوله تعال : (
هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم اياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين )[6] فكان دور النبي تزكية تلك الأنفس بتعليمه للكتاب ليكون منهجاً لحياة هذا المجتمع و دستوراً له و بالتالي تتحصل الحكمة في ذلك .

          فلو تأملنا في آيات الكتاب لوجدنا أن الدواء الشافي من علة الذل هو تزكية العلم و العمل (...ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين... )[7] فالمؤمنين ذكر الله صفاتهم في القرآن فقال (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات... )[8] و قال عز من قائل (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله واولئك هم أولوا الألباب )[9] و نعرف من الذين هداهم الله من خلال الآية ( ...فهدى الله الذين آمنوا... )[10] ، فيخرجهم الهدى من ظلمات السفه و المفاضلة على أسس مادية إلى نور الإيمان و المفاضلة على أساس التقوى ( ولا تقوى دون علم و معرفة ) فلا جاهل متنسك و لا عالم متهتك (إن اكرمكم عند الله اتقاكم)[11] إذا فقه الإنسان ذلك سيتبع ما أمره الله في قوله (يا ايها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون )[12] تاركاً حالة الفسوق التي كان يعيشها بتنابزه بالألقاب و سخريته متجهاً للتعلم ممن هو أعلم منه بكتاب الله معلماً من هو أدنى منه معرفةً وأقل علماً .

           فهذا نموذج مقتضب لبعض تعاليم القرآن التي تخرج الإنسان من قفص إرثه الذي طغى عليه طابع الذل إلى عزة الله بالبحث و اتباع الحق ( أحسن القول ) و لمن يريد التفصيل فليبحر بحثاً في كتاب الله ففيه تفصيل على علم و تبيان لكل شيء  .

          و بعد أن عرفنا سر القدرات الذهنية المتفوقة عند أسامة بن زيد كنموذج ، أصبح ذلك الأمر غير مستغرب بتاتاً ، بل الغريب هو حالة الضياع الذي يعيشه المجتمع مما يعكس مدى إهمال المجتمع لمراد الله فلم يبق من الدين إلا أسمه و أفعال ظاهرية تسمى عبادة و هي واقعاً عادة ، لا تنهى عن فحشاء و لا منكر ، و لم يبق من القرآن إلى رسمه و حلاوة نقش حروفه و زينة غلافه ، فنرى في بصائرنا رسول الله صلوات الله عليه ينظر نظرة أسى لما آل إليه حال الأمة منادياً ( يا رب ان قومي اتخذوا هذا القران مهجورا )[13] ، فساعد الله قلبك يا رسول الله .



[1] سورة الأعراف :12
[2] الكافي للكليني ج 2 ص 312
[3] الزخرف :23
[4] نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع) - ج ٤ - الصفحة ٣
[5] سورة البقرة : 143
[6] سورة الجمعة : 2
[7] سورة المنافقون : 8
[8] سورة البقرة : 25
[9] سورة الزمر : 18
[10] سورة البقرة : 213
[11] سورة الحجرات : 13
[12] سورة الحجرات : 11
[13] سورة الفرقان : 30